الرئيسيةالإنسان اولاًانتشار الطلاق بين اللاجئين .. الأمراض الاجتماعية أم المجتمعات الجديدة؟
الإنسان اولاًصيحة مهجر

انتشار الطلاق بين اللاجئين .. الأمراض الاجتماعية أم المجتمعات الجديدة؟

وضحة العثمان

للحروب نتائج سيئة ولعل أسوأها التهجير وما تتعرض له الأسر من متغيرات في بلاد المهجر نتيجة الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ومنها ظاهرة الطلاق التي شاعت كثيراً في دول المهجر بين السوريين، فما سبب تزايد هذه الظاهرة؟، هل هو حقاً المجتمع الجديد ونظام الحياة السائد فيه، أم أن الخلل أصلاً موجود في حياة تلك الأسر وتفاقم مع اختلاف الظروف، أم الاثنين معاً …؟!

يقول “عبد العزيز المصطفى” وهو لاجئ من مدينة حمص مقيم في هولندا: “الفرق شاسع جداً بين المجتمع الشرقي والمجتمعات الغربية، بشكل خاص فيما يتعلق بتكوين الأسرة بدءاً من الزواج واختيار الشريك إلى مسألة الانجاب والتربية، إلى دور كل من المرأة والرجل في الأسرة، ومدى الحرية الشخصية لكل منهما في نطاق الحياة الزوجية”.

وقد اعتاد الرجل في المجتمع الشرقي غالباً النظر إلى عقد الزواج على أنه عقد ملكية وليس عقد شراكة، بالتالي فالرجل هو الذي يرسم خطوات الزوجة وأسلوب حياتها وفق ما تقتضيه مصلحته، بالإضافة إلى أن اختيار الشريكين لبعضهما يتم ليس فقط من قبلهما، وإنما من قبل العائلة بأسرها، لذلك عند الانتقال إلى مجتمعات جديدة وزوال تأثير الأسر على حياة الشريكين، ومع ازدياد مساحة الحرية أمام الشريكين تبدأ الخلافات المدفونة عميقاً بالطفو إلى السطح.

ومنها ما يستطيع الشريكين حله وتجاوزه، والبعض الآخر يودي بالعلاقة الزوجية إلى نهايتها، وعن هذه الظاهرة كان لموقع هيومن نيوز لقاءات مع سيدات في بلاد المهجر للاطلاع على بعض هذه التجارب، والوقوف على الظاهرة عن قرب في محاولة لفهم أسبابها وتداعياتها.

تقول (سعاد): “كنت أقيم في محافظة إدلب مع زوجي، كانت حياتنا كما كنا نعتقد حياة طبيعية كأي زوجين، ثم انتقلنا لفترة طويلة إلى مدينة هاتاي التركية، إلا أن صعوبة الحياة دفعتنا إلى اتخاذ قرار الهجرة إلى أوروبا، ونظراً لأن المال المتوفر لا يكفي لهجرة الجميع قرر إرسالي وأولادي برفقة أحد أقاربه ويلحق بنا هو فيما بعد”.

وتضيف (سعاد): “وصلت مع أولادي إلى إحدى الدول الأوربية، وبعد فترة من الزمن تم تأمين المال بالتعاون بيني وبين أهلي وأهل زوجي، وتم ترتيب سفرة، فسافر برفقة عدد من الأشخاص ومن بينهم سيدة من أقاربه متزوجة ولديها أولاد، وقد سافرت أيضاً من دون زوجها لنفس الأسباب المادية التي دفعتني للسفر وحدي”.

وتتابع (سعاد): “لكن ما حدث أنه خلال رحلة السفر الطويلة حدث بينهما تقارب عاطفي انعكس على زوجي بشكل واضح، وبعد وصوله ظهرت عليه تغيرات نفسية كثيرة، أصبح كثير التذمر والانتقاد، لا يتقبل مني أي شيء، وتفاقمت المشاكل بيننا إلى أن اكتشفت ذات يوم أنه على علاقة مع تلك السيدة التي رافقته في السفر”.

تكمل (سعاد): “لقد وصلت العلاقة بيننا إلى طريق مسدود، وكرد فعل قمت بتصرفات سيئة تجاهه، في الوقت ذاته علمت أن السيدة التي هو على علاقة بها تطلب الانفصال عن زوجها، والنتيجة انفصلت عن زوجي وعدت لبلادي وكان الثمن ضياع أولادي بين الطرفين، وللعلم زواجه من تلك السيدة لم يدم طويلاً، فقد اتضح له أنها لم تكن أكثر من نزوة كان ثمنها دمار الأسرة، لكن لم يكن بلد المهجر سبب هذا الدمار، وإنما كان هناك خلل في علاقتي مع زوجي من بداية زواجنا، وكان هناك إشكالات كثيرة حاولنا تجاهلها وتبسيطها بدلاً من إيجاد حل جذري لها، ولذلك لم تصمد علاقتنا أمام أول أزمة”.

أما (سلمى) التي تنحدر من مدينة حمص، فتروي لنا تجربتها قائلة: “بعد وصولنا لهولندا فوجئت بتحول زوجي لشخص مختلف تماماً عن الشخص الذي عرفته في سوريا وارتبطت به، لم يعد ذلك الرجل الملتزم دينياً لأبعد الحدود، أصبح شخص متطلب جداً، يحاول أن يفرض علي أسلوب حياة مختلف عما تربيت عليه وعن قناعاتي، كخلع الحجاب و الانخراط بحياة السهر الليلية والشرب والاختلاط، معتبراً أن هذه هي الحياة الصحيحة التي سوف تساعدنا على الاندماج في المجتمع”.

وتضيف (سلمى): “ولأني رفضت الانسلاخ عن عاداتي وتقاليدي التي تربيت عليها، راح يوجه لي الاتهامات بأني شخصية معقدة ومنطوية ولا تمتلك خبرة في الحياة، ثم اكتشفت أنه على علاقة مع امرأة كانت تدرس معه في معهد اللغات، سرعان ما طلب مني الانفصال، وتزوج من تلك السيدة ولكن زواجه منها لم يدم طويلاً، عاد يريد مني الارتباط مجدداً، لكني كنت قد أخرجت الفكرة من حياتي كما أخرجته هو، واتخذت قراري أن أتفرغ لتربية أطفالي”.

ولعل تجربة (راغدة) كانت الأصعب، حيث روت تفاصيل قصتها لموقع هيومن نيوز: “أنا امرأة تحب الحياة و أحب أن اتعلم وأن أعيش كل شيء في الحياة، حُرِمتُ من تعليمي وطفولتي مبكراً ليفرض علي الزواج من ابن عمي، ثم هاجرنا بعد الحرب إلى أوروبا لأكتشف أن هناك أشياء جميلة كثيرة في الحياة ممكن أن أمارسها، كالتعلم، وإنشاء مشروع خاص بي، و توسيع دائرة معارفي”.

وتضيف (راغدة): “لكني اصطدمت مع عقلية زوجي الذي كان يعتبر أن مكاني الوحيد داخل جدران منزلي أربي الأولاد وأنظف وأطهو، وانتظره ليعود أخر النهار فألبي احتياجاته، رغم أنه مع الوسط الخارجي يبدو متفهماً ومنفتحاً، لم أعد راضيةً عن هذه الازدواجية ولا هذه الحياة التي باتت تدمرني، أردت تغيير حياتي بمتابعة تعليمي، وتحقيق استقلاليتي، والأحلام التي لم تفارقني منذ نشأتي”.

هذا الواقع وضع (راغدة) أمام مفترق طرق وجعلها ترى جوانب من حياتها لم تكن تراها من قبل، وتتابع قائلة: “نشأت الصراعات بيني وبين زوجي الذي كان يرى أني استقوي بالمجتمع الجديد، وقوانينه التي تحمي النساء، حاولت أن أفهمه أنني لو اتيحت لي نفس الفرص والدعم في سوريا لفعلت ما أفعل اليوم، لكنه لم يكن قادراً على تقبل فكرة أن أكون متعلمة ومستقلة في حياتي فوصلنا لطريق مسدود”.

وتضيف (راغدة): “خيرني إما أهدافي وطموحاتي أو الحياة معه، تسلحت بالقوة واتخذت قراري بإكمال الطريق الذي اخترته لبناء نفسي، فرفض هو وتم الطلاق، خيرنا الأولاد بيننا فاختارت البنات البقاء معي بينما ذهب ابني مع والده لفترة مؤقته ثم عاد ليكمل حياته معنا، بعد محاولات كثيرة له للارتباط بأخرى اكتشف أني الخيار العقلاني الأفضل له، بعد أن عمد إلى تشويه سمعتي، و اتهامي بأني على علاقة برجل آخر، مع أنها ادعاءات باطلة بعيدة عن الحقيقة، بالتالي رفضت العودة إليه”.

ولكن في المهجر لا يبدو أن الضحية امرأة دائماً، بل هناك أيضاً رجال كانوا ضحايا المتغيرات والحياة الجديدة، وقد سجلت العديد من القصص في عدة دول أوربية حول تخلي كثير من النساء عن أزواجهن وارتباطهن بعلاقات جديدة في ظل توفر حياة أخرى لم يكن يعرفنها في بلدانهن الأصلية، في حين ظلت الغالبية العظمى من العوائل محافظة على قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولم يتأثروا سلباً بالحياة الجديدة، إنما استفادوا من القوانين والأنظمة الداعمة للأسرة في رسم خط جديد يجعل من عوائلهم متفاعلة ومستفيدة من المجتمعات الجديدة، مع محافظتها على ثقافتها وقيمها الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *