الرئيسيةحياة الناسالظروف المادية سبب عزوف الكثير من الشباب السوري عن الزواج
حياة الناس

الظروف المادية سبب عزوف الكثير من الشباب السوري عن الزواج

وضحة العثمان

الوضع الاقتصادي هو أول عنصر يوضع في عين الاعتبار لدي الشباب المقبلين على الزواج، هذا في حال كان الوضع العام للبلد طبيعي، فكيف بحالة الشباب السوري الذي يعيش الحرب منذ أكثر من ١٣ عام، حيث أصبحت فكرة الزواج لدي كثير منهم غير مرغوبة نتيجة الخوف من الظروف المادية والاجتماعية غير المستقرة.

آثار عزوف الشباب عن الزواج في المجتمع:

يقول “كريم عنكير” الباحث في الشؤون الاجتماعية: “بحسب الاحصائيات الأخيرة الصادرة عن جمعية اللاجئين، يوجد في تركيا 3.7 مليون سوري، أكثر من 2.6 مليون منهم تقل أعمارهم عن الثلاثين عاماً، كما أن أكثر من مليون منهم دون سن العاشرة، أي ما يقارب المليون منهم في سن الزواج، إلا أن هؤلاء الشباب جلهم عاطل عن العمل نظراً لارتفاع نسبة البطالة في تركيا وقلة الفرص، كما أن معظمهم حرم من إكمال تعليمه بعد وصوله إلى تركيا إما لأسباب اقتصادية أو لعدم تمكنهم من اللغة، بالإضافة للعنصرية التي تواجههم في المدارس، وبالتالي أصبحت فرصهم في العمل أقل، وإن وجد العمل فإن الدخل الذي يتوفر منه لا يؤهل الشاب لتحمل أعباء الزواج وتأسيس الأسرة، سيما في ظل تسابق الأسر على رفع مهور بناتهم بدعوى تأمين حقوق الفتيات اللواتي حرم معظمهن من التعليم، لذلك الكثير منهم ألغى فكرة الزواج، إلا أن الموضوع ليس بهذه البساطة، فلكل فرد احتياجاته النفسية والغريزية التي يتحقق استقرارها عبر وجود شريك للحياة، نتشارك معه هذه الاحتياجات، بالتالي عدم مقدرة الشباب على الزواج تعني:
عدم الاستقرار النفسي، ففقدان الشباب للشريك الروحي الذي يتقاسمون معه مشاعرهم اليومية (غضب، رضى، حزن، فرح)، ويتخففون معه من ضغوط الحياة اليومية، يجعلهم عرضة للكثير من الامراض النفسية، التي تؤدي إلى الامراض العضوية، وكلها تنعكس سلباً على أداء الفرد في المجتمع وعلى سلامة المجتمع النفسية، وبالتالي تؤدي
لفقدان الاستقرار الاجتماعي.

الانحدار الأخلاقي، فقدان الشباب المقدرة على الزواج وتأسيس أسرة لا يعني انعدام غرائزهم واحتياجاتهم الجسدية، بالتالي يتجه الكثير منهم لتلبية هذه الاحتياجات بطرق غير شرعية، وغير آمنة، تودي بالمجتمع لانتشار الأمراض، والرذيلة، ذلك يعني تهديد سلامة المجتمع الصحية، والحضارية.
لذلك يتوجب على المجتمع التكافل لمساعدة الشباب على تجاوز الصعوبات الاقتصادية، من أجل الوصول إلى مجتمع أكثر استقراراً.”

آراء الشباب:
لفهم حيثيات الموضوع بشكل أعمق، أجرى موقع “هيومن نيوز” استطلاع الآراء التالي:
“احمد العلي” شاب من ريف حلب يبلغ من العمر 29 عاماً، لديه مخاوف كثيرة تمنعه من الإقدام على الزواج، يقول أحمد: “الحياة أصبحت تحتاج لجهد كبير جداً رغم أني لست من الشباب المتقاعسين، أنا أعمل لمدة عشر ساعات يومياً، لكن الدخل لا يسمح أبداً أن يكون لي بيت منفصل، وعائلة، وأن أستطيع تلبية احتياجات هذه العائلة، أمامي الكثير من الأمثلة التي تمنعني من مجرد التفكير في الارتباط، أخي تزوج منذ ثلاث سنوات، ويعيش معنا في نفس المنزل لأنه غير قادر على استئجار بيت مستقل، هو يعمل طوال اليوم، وعندما يعود إلى المنزل، يجد كم كبير من المشاكل بانتظاره، سواء بسبب تذمر والدتي من زوجته أو العكس، وعدم قدرته على شراء الكثير من متطلبات زوجته، كذلك مقارنة زوجته لوضعه الاقتصادي مع وضع زوج أختي، كل هذه العوامل والظروف تمنعني من أن أفكر بالزواج، فمن يريد أن يأتي بزوجة عليه أن يؤمن لها حياة كريمة، وأنا غير قادر على تأمين هذه الحياة، فمن الأفضل لي ألا أفكر بالارتباط حتى لوبقيت على هذا الحال طوال عمري، فذلك خير من آتي للدنيا بأطفال لا ستطيع تأمين أدنى الاحتياجات لهم، ليس تقصيراً مني، ولكن فرص العمل قليلة والحياة أصبحت مكلفة بشكل مخيف.

تخيل أن يصبح في البيت ثلاث عائلات، اعتقد أن الوضع سيكون كارثياً على للجميع، إذن من الأسلم للجميع ألا أفكر بالزواج”.

أما (سعد) وهو شاب سوري من محافظة حماة، يقول: “أتيت إلى تركيا منذ أكثر من عشر سنوات ولا يزال وضعي كما هو، أهلي في مدينة حماة غير قادرين على مساعدتي، بل على العكس أقوم أنا بمساعدتهم، عندما أتيت إلى هنا كان عمري 20 عاماً، أنا اليوم أقارب الواحد وثلاثين، أعيش في سكن مشترك مع مجموعة من الشباب، بهذه الطريقة أستطيع أن أؤمن احتياجاتي، وأن أعيش بشكل لائق، مجرد التفكير بأنني سوف أقوم باستئجار بيت منفصل وأدفع الفواتير لوحدي، والتزم ببيت تتوافر فيه شروط المعيشة الإنسانية، فهذا سيكلفني عمل أربع وعشرين ساعة، وقد لا أستطيع الحصول على الأجر المناسب، فلماذا آتي بفتاة أحملها شقاء تلك الظروف معي، حالي ككثير من الشباب الموجودين معي في السكن نعمل ليلاً ونهاراً لنرسل بعض المال لأهلنا، ونعيش حياة ليس فيها من الرفاهية ما يذكر، ما يواسيني أن هذا حال الكثير من الشباب السوريين.
أواجه كثيراً سؤال (لماذا لم تتزوج إلى الآن أو لماذا تأخرت بالزواج؟!)، يبدو أن من يسألني يرتدي نظارات لا ترى الحقيقة كما يعيشها معظم الشباب السوريين، الوضع الاقتصادي سيء للغاية، لا نستطيع أن نعيش بشكل مستقل، وأن نؤمن حياة لائقة لأبنائنا فلماذا نأتي بهم للدنيا، من الأفضل عدم الزواج أصلاً”.

الشاب (خلدون) ابن ريف حماة الشمالي عندما حدثنا كان يبتسم ويريد أن يضحك بصوت عالي “على حد تعبيره” على ذلك السؤال، يقول (خلدون): “الظروف الاقتصادية التي يمر بها السوريين والوضع الاجتماعي مخيف جداً، فهم يعيشون حالة عدم استقرار في أي مكان يوجدون به، مهددون دائماً بالترحيل، وبأن يكونوا بلا مأوى، بلا عمل، شخصياً اعتبر نفسي محظوظ جداً لأني استطعت إيجاد عمل ضمن شهادتي الجامعية يليق بي، لكن هذا العمل غير ثابت، يمكن في أي دقيقة أن يغلق هذا العمل، لأصبح في الشارع، ناهيك أننا مهددون في كل يوم بالترحيل، أو نتعرض لمشكلة تضعنا بالسجن رغم التزامنا بالكثير من القضايا، لكن هذا الوضع العام الذي يواجهه كل السوريين، فكيف أقدم على الزواج، وأتي إلى هذه الدنيا بأطفال أجعلهم يعيشون حالة عدم استقرار مادي و اجتماعي كالتي أعيشها، أسعى دائما للهجرة ولكني لم أوفق، أصدقائي بأوروبا أيضاً يشتكون من الغلاء وصعوبة المعيشة، قد يكون القرار مجحفاً أحيانا بحق أنفسنا أن نعيش بدون ارتباط وزواج، إلا أن من يقدم على هذه الخطوة يجب أن يكون مستعداً لها بشكل كبير”.

هناك حالات كثيرة تشبه حالة هؤلاء الشباب، حالة خوف دائم من المستقبل، خوف من العجز لتأمين الاحتياجات اليومية للأسرة، الخوف من أن يتحول الحب الذي ربطه بهذه الفتاة أو الزوجة إلى جحيم يدمره أو يدمرها، لذلك وبسب الوضع الاقتصادي والاجتماعي، يعزف الكثير من الشباب السوري عن الزواج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *