الرئيسيةحياة الناس“أصحاب المهن أوفر حظاً” .. هل تغيرت نظرة الأهل للعلم؟ لماذا يقررون إدخال أبنائهم مبكراً إلى سوق العمل؟
حياة الناس

“أصحاب المهن أوفر حظاً” .. هل تغيرت نظرة الأهل للعلم؟ لماذا يقررون إدخال أبنائهم مبكراً إلى سوق العمل؟

وضحة العثمان 
مع دخول الأزمة السورية عامها الحادي عشر، ازدادت أعداد المهاجرين السوريين إلى دول الجوار، ولا يخفى على أحد ما يعانيه السوريون هناك، من ضغوطات اجتماعية واقتصادية، نتيجة انعدام فرص العمل، وانخفاض الدخل في حال وجود العمل، وبالأخص لحملة الشهادات الجامعية، حيث بات أصحاب المهن أوفر حظاً بالعمل، فهل ساهم هذا بتغيير نظرة الأهل للعلم وجعلهم يتخذون قراراً بعدم اكمال تعليم أبنائهم، وإدخالهم مبكراً إلى سوق العمل؟!

وهم الوظيفة والأمان:
تقول الباحثة في الشؤون الاجتماعية “سوزان الرجب”: “مع الأسف يبقى الشباب في الجامعات منفصلين عن الحياة العملية، يتعلمون في الجامعات كيف يسخرون علمهم في عملهم، لكنهم لا يتعلمون كيف يسخرون المال لعملهم، فخلال فترة الدراسة يبنون أحلاماً وطموحات عن دخولهم لسوق العمل بعد التخرج، لكن هذه الأحلام كلها تدور حول إيجاد فرصة وظيفية تضمن لهم دخل ثابت، وغالباً ما تتحطم هذه الأحلام على صخرة الواقع بعد التخرج عندما لا يجدون فرصة للعمل، فوهم الوظيفة هي الضمان وهم متوارث عبر الأجيال.

وأقول عنه وهم، لأنه بالفعل يحد من طموح وقدرات الفرد، بينما نجد الفرد المنخرط في سوق العمل منذ الصغر قد تعلم الكثير عن الحياة وعن استغلال الفرص وتطويعها لصالح العمل، وبالتالي تطويع المال للعمل لا العمل للمال.

كل هذا جعل فرص أصحاب المهن أكبر في بلاد المهجر من المتعلمين، لذلك تغيرت نظرة الكثير من الأهالي إلى فكرة إكمال تعليم أبنائهم، وفضلوا إدخالهم إلى سوق العمل مبكراً، إلا أنهم لم يتنبهوا إلى أن الخطأ ليس في العلم نفسه وإنما في الأنظمة التعليمية التي تفصل العلم عن العمل، وفي البيئة الاجتماعية التي لا توفر الفرص الحقيقية للمتعلمين، بينما تستقطب الدول المتقدمة العقول والكفاءات العلمية وتعطيها الأولوية”.

ماذا يقول الواقع؟!
ولأن الموضوع يتعلق بشكل مباشر برأي الشارع، استطلع موقع “هيومن نيوز” الآراء التالية:
يقول (س.ع) من مدينة ادلب: “أنا مهندس ميكانيك كنت أعمل في سوريا كموظف براتب ثابت لا يكاد يكفيني لآخر الشهر بعد تعب وسهر ليالي طويلة في الدراسة، وكنت دائماً أفكر أني استهلكت سنوات عمري في الدراسة لأحصل على وظيفة لا تحقق أياً من طموحاتي، مع ذلك كنت أسعى لتعليم أبنائي وإدخالهم أحسن الجامعات خصوصاً الإناث.

إلى أن التقيت بأحد أصدقائي بدايات الثورة، الذي قد كان ترك الدراسة، وامتهن الحدادة وسافر إلى إحدى دول الخليج ليعود ممتلئاً بالمال، وأبنائه لم يكملوا تعليمهم لكنهم يعيشون حياة مرفهة جداً وبظروف مالية ممتازة، في كل حديثه لي كان يوجه سؤالاً واحداً، كنت أتوقع أن أراك بوضع مالي أفضل بكثير من هذا الحال، فلماذا بقيت على هذا الحال، هل هذا ما فعله التعليم بكم، وماذا فعل بي عدم إكمال تعليمي؟.

بعد سفره بأيام راسلني أنه يريد استقدام بعض الشباب للعمل معه ضمن شركته التي تعمل بالتعهدات والانشاءات، سارعت بدون أي تفكير بطلب ابني للعمل، فعلاً ذهب ابني للعمل معه في قطر، فأصبح وضعه المادي الآن جيد جداً ويقوم بإعالتنا، ترى لو لم ارسله للعمل هناك وجعلته يكمل تعليمه، ما النتيجة التي سيكون عليها اليوم، وما شكل الحياة التي سيقدمها لزوجته وابنته؟!.

الآن يرسل لنا مبلغاً شهرياً يساعدنا على تحسين وضعنا المادي، لو استمر بتعليمه لكنت الآن أعاني ضائقة مالية ومستدين من كل عائلتي وأقربائي، فبعد تجربتي أرى أنه يكفي الحصول على شهادة الثانوية العامة والدخول إلى سوق العمل، وإذا أراد إكمال تعليمه فيما بعد مع عمله فله ذلك.

لكني أجد أن الاستثمار خصوصاً في أيامنا هذه استثمار خاطئ تحديداً للذكور، فمتى سينجز أحلامه بعد أن يصبح في الخمسين؟، الآن ابني في عمر الثلاثين يملك كل ما كنت أحلم به ولم أحصل عليه وأنا في عمر الستين”.

بينما يقول “عمار المحمد” وهو اب لخمسة أبناء من سهل الغاب: “كان دائما هناك تصور قوي جداً لدي أن من يكمل تعليمه ستفتح له أبواب المستقبل، لكن هذا التفكير كان خاطئاً جدا، الواقع ليس كما كنت أعتقد أن المتعلمين ستكون حياتهم مشرقة من خلال ما كنا نراه من حياة الأطباء والصيادلة وما شابههم، لكن الواقع يبين أن الذين دخلوا سوق العمل مبكراً وعملوا بالتجارة يتمتعون بظروف مالية أفضل بكثير من الأطباء والصيادلة، هذا عندما كان البلد مستقراً، و بعدها الأزمة بقي وضع التجار أفضل بكثير، في الوقت الذي تراجع فيه وضع الأطباء والمتعلمين، لكن هذا لا يغني عن التعليم.

في الوقت الحالي أرى أننا لا نستطيع أن نكمل تعليم أبناءنا، ليدخلوا الجامعات ويتخرجوا بعد سنوات ولا يجدوا أية فرص للعمل، بينما يدخل الكثير من الشباب سوق العمل مبكراً ويصبح لديهم القدرة على العمل في التجارة وفي المهن التي تدر أرباحاً وفيرة، ويتمتعون باستقرار أكبر في حياتهم.

أنا صرفت مبالغ كبيرة على ابني الكبير ليكمل تعليمه و يتخرج من الجامعة وهو الآن لا يجد أية فرصة للعمل، لذلك قرر أخوته عدم إكمال تعليمهم، واتجهوا إلى العمل في قطاعات مختلفة، ويسعون لتحسين حياتهم أكثر، ففرصهم أكبر بكثير من أخوهم الذي صرفنا عليه الكثير من مدخراتنا المالية، لذلك حالي كحال الكثيرين ممن يرون أن الاستثمار بالتعليم خاصة في الوقت الحالي هو استثمار خاطئ.

من لديه ثلاثة أو أربعة شباب يعملون في قطاعات كالسياحة أو الصناعة، لديهم المقدرة على الحياة برفاهية، وإعالة أهلهم، أما من درس واستهلك مدخرات أهله المالية يبحث الآن عن فرصة للعمل ولا يجدها، وإن وجدت لن تكفيه لمصاريفه الشخصية، وتجعله يضع فكرة الزواج طي النسيان، لذلك بات خيار دخول سوق العمل المبكر أفضل بكثير من الاستثمار بالتعليم”.

إلا أن ل “حنان محمد” وهي أم لابن وأربع بنات من محافظة حلب رأي آخر: “بعد أن أنهى ابني تعليمه الثانوي وأقبل على الانتساب للجامعة، حاربني الجميع وأولهم زوجي بدعوى ما فائدة العلم والجامعة، سيتخرج من الجامعة ليبقى عاطلاً عن العمل مع انعدام الفرص، فليختصر العناء ويدخل سوق لعمل ويساعد العائلة في تحسين الدخل، إلا أنني صممت على تشجيع ابني ليكمل دراسته الجامعية، لقناعتي أن المشكلة ليست في التعليم ذاته وإنما بتركيبة المجتمع الخاطئة والفرص غير المتكافئة.

أنا أطمح ليعيش ابني في مجتمع أكثر تقدماً، وفي هذه المجتمعات الأولوية للعلم، وكلما ارتقت درجته العلمية زادت فرصته في الانتقال للحياة في هذه الدول.

مهنتي كصاحبة صالون تجميل متعبة جداً وما أحصل عليه مهما كان وفيراً لن يضاهي تعبي الجسدي والصحي، كذلك زوجي يمتهن النجارة ويعمل في مصنع للمفروشات ودخله لا يعادل أبداً تعبه، مع مستقبل ضبابي، فهو ليس له أي حقوق كالتأمين الاجتماعي والصحي وبدل نهاية الخدمة.

أعود فأقول المشكلة في المنظومة المجتمعية والتعليمية في دول العالم الثالث وليست في التعليم، ولنصل لحل المعضلة في العائلة بين مؤيد لإكمال دراسة ابني وهي رغبة ابني أيضاً، ومطالب التحاقه بسوق العمل، وصلنا لحل إكمال دراسته مع التحاقه خلال الإجازات بسوق العمل.

اليوم تأكدت من صحة وجهة نظري، فابني يستعد للهجرة إلى أوروبا بعد أن وافقت إحدى الدول الأوربية على منحه اللجوء، وقد ساهم علمه في هذه الموافقة”.

كذلك (إيمان) وهي مدرسة سابقة من محافظة ادلب وأم لولدين وابنتين تقول: “أنا من عائلة مثقفة، وتحب العلم وتشجع عليه، إلا أنني بسبب الحرب في سوريا اضطررت للهجرة إلى تركيا، ومع ظروف التهجير الاقتصادية الصعبة اضطرَّ أولادي لترك الدراسة والالتحاق بسوق العمل للمساعدة في إعانة العائلة.

هذا جعلهم يدركون أهمية العلم، فاختار أولادي أن يكملوا تعليمهم عن طريق التعليم المفتوح مع عملهم، فمن وجهة نظرهم اقران العمل مع العلم، يثمر نتائج أكثر نجاحاً ويحسن فرصهم ومكانتهم الاجتماعية والعملية، أنا فخورة جداً بقرارهم وأتمنى أن ينتقلوا يوما ما لمجتمع أكثر تقدماً يقدر قيمة العلم ويقرنه بالعمل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *